الشجرة المثمرة

" تلك هي الشجرة الطيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء "

في رحاب وبشر الصابرين"2"

لا غنى للعبد عن الصبر

عليك أن تعلم أيها الأخ الكريم أنه لا يمكنك أن تسغنى عن الصبرفي جميع أحوالك، وفي كل أزماتك.
ووجه لك: أن جميع ما يلقاه العبد في هذه الدنيا لا يخلو من نوعين:

أحدهما: يوافق هواه، والآخر: هو الذي لا يوافقه، بل يكرهه، وهو محتاج إلى الصبر في كل واحد منهما،وهو في جميع الأحوال لا يخلو عن أحد هذين النوعين أو كليهما فهو إذًا لا يستغني قط عن الصبر(1).

فالأول، وهو الموافق للهوى ما يعطاه الإنسان مما يطلبه ويحبه من أمور الدنيا،وما كان كذلك وجب على العبد أن يشكر ربه عليه، إن كان مطعمًا أو ملبسًا أو مسكنًا، أو زوجة صالحة للرجل، أو زوجًا صالحًا للمرأة، وكذا من رزق ذرية صالحة، ومورد رزق حلال، وإذا وجب شكر النعمة وما أعطيه الرجل من السراء كان تركه حرام، وفي شغل النفس بفعل الواجب الذي هو الشكر صبر على فعل الطاعة، وصبر على فعل المحرم، الطاعة بالفعل وملازمة ما يناسب النعمة، والثاني وهو فعل المحرم بتركه والابتعاد عنه،وهو كفران النعم، وما يؤدي إلى استغلالها في غير ما وجب أو أبيح استغلالها فيها.

وأما الثاني: وهو ما لا يوافق الهوى فأمره ظاهر، إذ كل ما خالف هوى المرء كان شاقًا على النفس مكروهًا لها، وإذا كان كذلك فإن الصبر لازم للاستعانة على الفعل إن كان طاعة كالتعبد من صلاة وزكاة وغيرها، وللاستعانة على الترك إن كان محرمًا كالجزع والشهوة المحرمة، والقوة الغضبية الظالمة المتعالية.

وقد قال بعض العلماء موضحًا هذا الجانب(2): " والحاصل أن الشكر يتضمن الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، قال بعض الأئمة:
" الصبر يستلزم الشكر، لا يتم إلا به، فمتى ذهب أحدهما ذهب الآخر، فمن كان في نعمة ففرضه الشكر والصبر، أما الشكر فواضح، وأما الصبر فعن المعصية، ومن كان في بلية ففرضه الصبر والشكر، أما الصبر فواضح، وأما الشكر فالقيام بحق الله تعالى عليه في تلك البلية، فإن لله تعالى على العبد عبودية في البلاء كما له عليه عبودية في النعماء".

ثم الصبر على ثلاثة أقسام:
صبر على المعصية فلا يرتكبها، وصبر على الطاعة حتى يؤديها، وصبر على البلية فلا يشكو ربه فيها.
والمرء لابد له من واحدة من هذه الثلاث، فالصبر لازم له أبدًا، لا خروج له عنه، والصبر سبب في حصول كل كمال، وإلى ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إن الصبر خير ما أعطيه العبد).

صبرك طريق إلى محبتك لربك – تبارك وتعالى –

"في رحاب "وبشر الصابرين" ......
عليك أن تعرف أن المحبة طريق لحصول النفوس على مطالبها، ونيل مآربها، وتخْلُصُ من معاطبها، وتتخذ إلى ربها سبيلها، وهو سبحانه ـ دون غيره ـ المأمول والمسئول، بها تُنالُ الحياة الطيبة، ويُذاق طعم الإحسان، إذ ترضى النفس بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً).(3)
ومن المعلوم أن الحق الذي خلقت أنت وغيرك لأجله هو عبادة الله وحده، قال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ... [الذاريات: 56].
وعبادته هي كمال محبته، والخضوع، والذل له،ولوازم عبوديته من الأمر والنهي، والثواب والعقاب، ولأجل هذا أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل الكتب، وخلق الجنة والنار.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ ... [الأنبياء: 25].

وقد جعل النبي – صلى الله عليه وسلم – تقديم محبة الله ورسوله على محبة غيرهما من خصال الإيمان، ومن علامات حلاوة الإيمان في القلوب.
ففي الصحيحين عن أنس – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار).

والمحبة في قلب العبد كالشجرة، عروقها التذلل للمعبود سبحانه وتعالى، وساقها معرفته بأسمائه وصفاته، وأغصانها خشيته في السر والعلن، وورقها الحياء منه، وثمرتها الطيبة طاعته سبحانه وتعالى، وذلك بفعل الأمر وترك النهي، ومتى خلا القلب عن شيء من ذلك كان حبه ناقصًا.

وقد وصف الله سبحانه أنه يحب عباده، وأن عباده يحبونه، وأنهم أشد حبًا له.

ومن يصل إلى منتهى محبة الله لابد أن يكون همه كله، وسعيه في دينه وأعماله في جميع شئون حياته مرضاة الله تعالى، لا يبتغي منها شيئًا سواها، لا تحركه بواعث أخرى.
لأجل هذا كان من أحب الله أحبه الله، يقول الله تعالى: ﴿ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾... [المائدة: 54].

لكن ما علاقة هذ الحب بالصبر الذي نحن بصدد الكلام عنه؟

اعلم عبد الله أن الله عز وجل لم يترك عباده هملاً، بل أمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.
قال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ ﴾ ... [المؤمنون: 115].
وقال: ﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ﴾ ... [القيامة: 36].
وهذا هو عين الخلق لأجل العبادة، التي مبناها كما تقدم:
1- غاية الحب.
2- غاية الذل.

وإذا كان كذلك فالناس تجاه هذه الأوامر والنواهي صنفان: ممتثل للأمر تارك للنهي، وتارك للأمر راكب للنهي أيما حلّ وارتحل، وبينهما درجات كما بين السماء والأرض.
قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ﴾ ... [التغابن: 2].
وقال أيضًا: ﴿ لِّتُنذِرُ أُمَّ القُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾ ... [الشورى: 7].

أما من كفر، فقد استبان أمره، ووضحت سريرته،وبانت غايته ومآله.
ولكن يبقى من ادعى الإيمان.
هل كل مدعيه يعد مؤمنًا حقًا؟ وهل كل من ادعى لزوم الطاعة، يكون مؤمنًا خالصًا.
كلا. إن كل ذلك مجرد عن الحقيقة.

والدعاوى إن لم تقيموا عليها    ببينات فأدعياؤها أدعياء

قال تعالى: ﴿ وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ﴾ ... [التوبة: 56].
وقال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴾ ... [البقرة: 8].
وقال تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ ﴾ ... [النساء: 60] فهو مجرد زعم لاغير.
فكيف يعرف الصادق من الكاذب،والمؤمن من المنافق؟

إنه الابتلاء بالطاعة والصبر على ما يلقاه من ادعى الإيمان على تحقيق وإبراز دعواه.
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ ﴾ ... [العنكبوت: 3].
وقال: ﴿ وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنَافِقِينَ ﴾ ... [ العنكبوت: 11].

فالأمر دائر بين الصدق والكذب، وبين الإيمان والنفاق لا غير وهذا هو السِّر في قول الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ﴾ ... [التوبة: 16].

وقوله: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ ﴾ ... [العنكبوت: 2].
كلا. إنه حسبان خاطئ، والأمر ليس مجرد أقوال تقال في مجالس ثم ينقضي الكلام، وتنفض المجالس.
بل إن محك ذلك كله أن تكون الأقوال مصدقة بالعمل ولذا قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ ... [آل عمران: 31].

قال الحسن البصري – رحمه الله -: "كان ناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله إنا نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ ...﴾ الآية

وقد تظافرت أقاويل العلماء في مثل هذا المعنى.
يقول الحسن بن آدم: "أحب الله يحبك الله، واعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته".
وقال يحيى بن معاذ: "ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده".
وقال بعض العلماء: "كل ادعى محبة الله – جل جلاله – ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة، وكل محب ليس يخاف من الله فهو مغرور.
ولقد أحسن من قال في هذا المقام

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه    هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته    إن المحب لمن يحب مطيع

هذا هو عنوان الصدق، الصدق في المحبة، ولا سبيل إلى طاعة الله، والدوام عليها إلا الصبر على فعل الأوامر، والصبر على ترك المناهي.
لا سبيل إلى ذلك إلا بمجاهدة النفس، والهوى، والشيطان، وبذل النفس والنفيس في سبيل مرضاة الله عز وجل.

وجماع ذلك كله الصبر.
فمتى لم تكن صابرًا على الطاعة، صابرًا على ترك المعصية، صابرًا عن مجاهدة نفسك وهواك وشيطانك كانت الهزيمة، وتقاعست عما يحبه ربك فكنت غير صادق في دعواك مثلك كمثل من قال: ﴿ آمنا بالله واليوم الآخر،وما هم بمؤمنين ﴾.

قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِن جَاءَ نَصْرٌ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِينَ ﴾ ... [العنكبوت: 10].
بلى إنك بكل شيء عليم
وقال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ ... [محمد: 31].
وقال: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ ... [آل عمران: 142].
فدليل محبة الله، ومفتاح محبته، هو الصبر على البلاء، وعلى الطاعة، وعلى ترك المعصية.
فحاجة المحب، أو مدعي المحبة إلى الصبر ضرورية، بل إنها آكد المنازل في طريق المحبة، وألزمها للمحبين.

قال ابن القيم – رحمه الله -:
"بالصبر يعلم صحيح المحبة من معلولها، وصادقها من كاذبها، فإنه بقوة الصبر على المكاره في مراد المحبوب يعلم صحة محبته.
ومن ههنا كانت محبة أكثر الناس كاذبة، لأنهم ادعوا محبة الله تعالى فحين امتحنهم بالمكاره انخلعوا عن حقيقة المحبة، ولم يثبت معه إلا الصابرون، فلولا تحمل المشاق وتجشم المكاره بالصبر لما تثبتت صحة محبتهم، وقد بين ذلك أن أعظمهم محبة أشدهم صبرا، ولهذا وصف الله تعالى بالصبر خاصة أولياءه وأحبابه فقال عن حبيبه أيوب: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾ ثم أثنى عليه فقال: ﴿ نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ .

وأمر أحب الخلق إليه بالصبر لحكمه، وأخبر أن صبره به، وأثنى على الصابرين أحسن الثناء، وضمن لهم أعظم الجزاء، وجعل أمرهم محسوبًا، وبغير حساب، وقرن الصبر بمقامات الإسلام، والإيمان، والإحسان، فجعله قرين اليقين، والتوكل، والإيمان، والأعمال، والتقوى.
وأخبر أن آياته ينتفع بها أولو الصبر، وأخبر أن الصبر خير أهله، وأن الملائكة تسلم عليهم في الجنة بصبرهم".

فإذًا فمتى ازددت صبرًا ازددت حبًا، وكنت قد بلغت في العبودية مبلغا، وذلك هو شرفك وعزك، وتذكر قول الله تعالى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِّعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ ... [ص: 44].
صبره صيره نعم العبد، فهو نعم العبد إذ بلغ في المحبة والتذلل لله مبلغًا، والناس في ذلك درجات.
"إن الناس يتفاضلون في هذا الباب تفاضلا عظيمًا،وهو تفاضلهم في حقيقة الإيمان".



أضف تعليقا

jor7al7ayat
18 جمادى الأولى, 1428 10:16 ص
الف شكر لك اخي على هذا المقال الرائع
واتمنى لك التوفيق
واتمنى منك زيارة مدونتي
http://jor7al7ayat.jeeran.com/

www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws www.Bigoo.ws

Glittery texts by bigoo.ws